En hommage à Edward Saïd,
disparu le jeudi 25 septembre 2003






Propos recueillis par Hassan Arfaoui*



Cliquer ici pour accéder à la version francaise


س. : دعنا نبدأ من الأسئلة التقليدية : طفولتك، الخلفية العائلية، القاهرة، والمؤثرات الثقافية المبكّرة ؟


ج : رغم ولادتي في القدس، فإنّي قضيت معظم سنواتي التكوينية الأولى في القاهرة، لقد كنت نتاج المدارس الاستعمارية، الأمر الذي جعلني في حالة حرب شبه دائمة مع المدارس والأساتذة. والحق أنني تلقيت تعليماً جيداً للغاية، واكني لم أتأثر بأي من الأساتذة أو رموز السلطة، الذين كنت أعتبرهم في الصف المقابل على الدوام. التأثيران الرئيسيان في سنواتي الأولى كانا، أولاً، أستاذي في الموسيقى "أغناس تيغرمان"، الذي درست على يديه البيانو. وكان الرجل يهوديا من أصل بولوني يعيش في مصر، وكان عازف بيانو مرموقاً وموسيقيًا رائعاً وفد إلى مصر في عام 1933 وبقي فيها حتى توفي عشية حرب 1967. لقد ترك في نفسي أثراً بالغاً، خصوصاً لجهة موقفي من الموسيقى.



التأثير الثاني كان سياسياً، وهو الدكتور فريد حدّاد طبيب العائلة. كان فلسطيني الأصل ولكنه مولود في مصر، وكان عضواً في الحزب الشيوعي ومات في [سجن] أبو زعبل في أواخر الخمسينات على يد شرطة عبد الناصر. ولقد كان بالفعل وسيطي إلى السياسة، وإلى يسار السياسة والمعارضة السياسية. هذان الرجلان عَنَيا لي الكثير في تلك السنوات المبكرة.

العائلة التي نشأت في كنفها كانت مزيجاً عجيباً من العناصر العربية والمسيحية والانكليزية، نظراً إلى أن والدي خدم في الجيش الأمريكيّ خلال الحرب العالمية الأولى واكتسب الجنسية الأمريكية، قبل أن يعود إلى فلسطين. كنّا نعيش بطريقة غريبة للغاية، وأنا الآن أكتب مذكّراتي عن تلك السنوات الأولى، إذ أن أسرتي كانت تعيش في ما يشبه الشرنقة، دون الكثير من الصلات بالعالم المحيط بنا. وبالطبع حين وصلت إلى أمريكا في عام 1951، انتسبت على الفور إلى مدرسة داخلية في "نيوإنغلند"، ثم إلى جامعة برنستون، فجامعة هارفارد. وخلال هذه السنوات الاثنتي عشر، بين عام 1951 وعام 1963 حين حصلت على الدكتوراه، كانت صلاتي مع العرب محدودة للغاية. كنت طالب أدب أوروبي وغربي على نحو كلّي، ولم استرجع صلتي بالعالم العربي إلا في عام 1967 حين وقعت الحرب. في غضون ذلك بقيت أسرتي في الشرق الأوسط، وكنت أعود خلال فصول الصيف لرؤيتهم. لكن دراستي كانت غربية تماماً، ولم يتولّد اهتمامي باللغة والأدب العربيين إلا في طور لاحق، واعتمدت في ذلك على نفسي.




س: كيف تعاملت في طفولتك مع تعدّد المراجع الثّقافية هنا ؟


ج : يصعب عليّ أن أتحدّث عنها لأنني الآن أعكف على كتابتها في مذكرات. ولكني سأتحدّث عن أمر واحد كان على الدوام شديد الأهمية عندي. لقد أحسست، منذ الأطوار الأبكر من وعيي، أنني في نزاع مع البيئة التي أنتمي إليها. أقصد القول أنّني كنت في مصر ولكني لست مصرياً، وأنا عربي ولكني لست مسلماً، وأنا مسيحيّ ولكني بروتستانتي ولست مسيحيا كاثوليكياً، وأنا ناطق بالإنكليزية ولكنني لست إنكليزيا، وأنا أمريكي ولم يسبق لي أن ذهبت إلى أمريكا.

ولهذا أعتقد أن الإحساس الطاغي الأكثر أهمية في سنواتي المبكّرة، والذي تواصل بعد ذهابي إلى أمريكا وينبثق بالفعل في ما بدأت أكتبه في الثمانينات حول موضوعة النفي، هو أنني على الدوام كنت أشعر بنفسي منفيّاً في الداخل وفي الخارج على حدّ سواء. لم يسبق لي أن كنت في الموضع الذي ينبغي أن أكون فيه. ورغم ولادتي في القدس، فإن إحساسي بفلسطين ظلّ يدور حول فلسطين الفكرة لا المكان الفعلي. وحين زرت فلسطين بعد غياب طويل، في عام 1992، وجدت نفسي في حال من النزاع معها أيضاً.

ولقد قررت أنني في حالة من الاقتلاع الدائم، وكان ذلك الإحساس شديد الأهمية طوال حياتي، الأمر الذي عنى وجوب أن أقوم بكل شيء - فكريا أو جمالياً – على حسابي واعتماداً على ذاتي في نهاية الأمر.

ولقد كنت في واقع الأمر غير قادر على اقتفاء درب أستاذ أو شخص آخر، وتعيّن علىّ ابتكار درب لنفسي، وكانت تلك مهمة مميّزة. في سنواتي المبكّرة الأولى وقعت لي متاعب عديدة مع الأساتذة على سبيل المثال. وشخوص السلطة مثّلوا بالنسبة إليّ العدو الدائم، دائماً. بين هؤلاء كان والدي وجميع أساتذتي باستثناء حالة أو اثنتين، وكذلك أية مؤسسة اقترنت بها سواء أكانت مدرسة أو جامعة أو معهد أو ما أشبه. ولكنّني قررت أن هذا بالضبط هو ما يجعلني منتجاً : ذلك الإحساس الذي ليس الاغتراب تحديداً، بل المعارضة والتوتر وحالة العصيان. ولكني في أوقات أخرى شعرت أنّني لا أحد، إذ لم أكتشف من أنا وما هي سيرورتي حتى وقت متأخّر، وهذا ما أكتب عنه الآن في مذكراتي : أن "إدوارد" هو ابتكار خاص بأهلي، وأن يحمل المرء اسم "إدوارد" ، في العالم العربي أمر أقرب إلى النكْتة كما تعلم. ولهذا توجّب عليّ أن أكتشف ما هو في الباطن من "إدوارد"، الشخص الآخر القادر على الانبثاق من "إدوارد" واحتلال موقعه على نحو أكثر يُسْراً مما فعلت أنا. وهذا ما حدث.



س : هل لك أن تتحدث عن قراءاتك الأولى والمؤثرات الفكرية المبكّرة ؟


ج : أعتقد أن الرواية كانت التأثير المبكّر الأكثر أهمية. لقد كنت طفلاً منعزلاً، ولم يكن لديّ أصدقاء حقيقيّون. لكن أهلي امتلكوا مكتبة واسعة للغاية وذات تنوّع مدهش، بينها روايات تبدأ من الكلاسيكيات (مثل ديكنز وسكوت خصوصاً) من جهة أولى، ومن جهة ثانية الروايات الرخيصة الشعبية لروائيي القرن التاسع عشر من أمثال "كونان دويل" و"جون بوكان" و"ادغار رايس بوروز" مؤلف "طرزان". ولقد قرأتها جميعاً ! ولهذا كانت الروايات ذات أهمية بالغة بالفعل، منذ الطور الأبكر من حياتي. ولقد تأثرت كثيراً بكلّ من "سكوت" و"دانيل ديفو" و"ألكسندر دوما"، والروايات المسلسلة. كذلك اعتدت قراءة "شكسبير" بمساعدة والدتي، وكنت اذهب لمشاهدة المسرحيات التي تعرض في مصر خلال الحرب، وفي عام 1944 شاهدت "جون غيلغود" يؤدي دور "هملت". ولكني قرأت "شكسبير" بأكمله بمساعدة والدتي، التي كانت لها تأثير فكري هائل عليّ في تلك السنوات المبكرة، بسبب أن اهتماماتها كانت مماثلة لاهتماماتي.هنالك الموسيقى بطبيعة الحال. لقد اعتدت سماع الموسيقى والعزف على البيانو، خصوصاً مقطوعات الأوبرا آنذاك. وأذكر أنني اكتشفت "روسيني" في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. لقد كنت سابقاً لعمري، وامتلكت ذاكرة موسيقية رفيعة حتى أنني في سنتي الثانية كنت قادراً على حفظ وترداد ثلاثين أو أربعين أغنية. كذلك كان الأمر بالنسبة إلى الموسيقى الكلاسيكية والعزف على البيانو. كنت قادراً على الأداء في وقت مبكّر وبسرعة كبيرة.




ثمّ أنتسبت إلى المدرسة وكان ما كان بالنسبة إلى تعليمي. ولكني أعتقد أن الفيلسوف الأيطالي "جيانباتيستا فيكو" كان في طليعة المؤثرات الفكرية الهامة، وهو ما اكتشفته لوحدي أيضأً وفي الواحدة والعشرين أو الاثنتين والعشرين من عمري. لقد مثّل "فيكو" علامة فارقة كبرى في حياتي الفكرية. وكنت بالطبع بالغ التأثر بالفلاسفة والكتّاب ذوي النزعة المفارقة الناشزة. وأذكر تأثري المبكر بكل من "[سورين] كير كغارد" والشاعر "[وليم] بليك" ومختلف الكتّاب الفرنسيين من أمثال "[شارل] بودلير" و"[جيرار دو] نيرفال" وأساساً "[غوستاف] فلوبير" و"[مارسيل] بروست" اللذين اكتشفتهما في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة. أما التأثير والأطول في حياتي بأسرها. من اليفاعة وحتى الآن، فهو "جوزيف كونراد".





س. هل ثمة مغزى خاصّ في أن أول رواية قرأتها كانت "روبنسون كروزو" ؟


ح. : لست متأكداً أنها الرواية الأولى، ولكنها بالتأكيد كانت بين الروايات الأولى. انطباعي أن الأولى كانت [رواية والتر سكوت] "إيفانهو" التي قرأتها في الثانية عشرة من العمر ربما، وأذكر أنها شدّتني للغاية.

"روبنسون كروزو" جاءت بعدها مباشرة، لأنني أتذكر النسخة ذاتها. كانت الطبعة جميلة مزيّنة بالصور الملوّنة. كنت مسحوراً بفكرة "روبنسون كروزو" بأسرها، ثيابه، و"الببغاء"، و"جمعة". شخصية "جمعة" كانت لغزاً تامّاً بالنسبة لي ولم أتمكّن من التماهي معه أو فهم الكائن الذي هو عليه، لأنه ببساطة صامت في الرواية. ولكني لم أشرع في قراءة "روبنسون كروزو" من وجهة نظر ثانية حتى وقت لاحق.

لكن الحكاية جذبت انتباهي، وأذكر أنني حاولت تقليدها وكتابة قصص شبيهة بها. وذات مرّة، في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة. فكّرت في كتابة قصة عن كتاب، مغامرات كتاب يُقرأ ويتنقّل من شخص إلى آخر، ثم يُنسى في قطار. وأعتقد أن الأمر كان فانتازيا حول نفسي، وأنني قد أكون في يوم ما قادراً على التحوّل إلى كتاب.

لقد كانت الكتب هي سميري بالفعل، وكنت شديد الامتنان لوجود عدد هائل منها في البيت. ولكني، في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، بدأت أقلق من جرّاء قيام والديّ بسحب بعض الكتب التي رغبت فيها من المكتبة (مثل أعمال "فرويد"، وكتاب تقني عن الزواج وبعض الروايات). لقد كانا يحاولان فرض الرقابة على ما أقرأ، فنشبت بيني وبينهم معركة دائمة. على سبيل المثال، كان كتاب فرويد "تفسير الأحلام" في المكتبة، وأذكر أنني شرعت في قراءته وأنا في الثالثة عشرة، وذات يوم أخرجته وقرأت فيه، وكانت قراءتي تتمّ في غرفتي على نحو سرّي، في ساعة متأخّرة من الليل أو مبكرة في الصباح. ولقد ارتكبت خطأ حين تركت كتاب فرويد خارج المكتبة ذات ليلة، فاختفى في اليوم التالي ولم أجد له أثراً بعد ذلك.




س. : في إحدى مقابلاتك تحدثت عن مغادرة كلّية فكتوريا [الأنكليزية القاهرية] في "حالة من "الخزي". كيف حدث ذلك ؟


ج. : نعم لقد ُطرت في صيف 1951. وحين وافقوا على إعادتي لأستكمل فصلاً دراسياً كانت أسرتي قد قررت عندها أنني أجد الكثير من الصعوبات مع النظام الانكليزي، ومن الحكمة إرسالي إلى أمريكا بالنظر إلى تمتّعنا بالجنسية الأمريكية. وهكذا، في ربيع عام 1951، عثروا لي على مدرسة داخلية في "ماساشوستس" وغادرت مصر في صيف العام ذاته ووصلت إلى أمريكا، لوحدي. ولقد قضيت سنتين في تلك المدرسة، كانتا الأكثر بؤساً في حياتي. لقد كانتا على درجة عالية من الصعوبة.




س. : وصل عبد الناصر إلى السلطة وأنت في أمريكا، وأول مقال سياسي كتبته دار حول حرب السويس. هل يمكن القول أنك كنت ناصرياً، بمعنى ما، في تلك الفترة ؟


ج. : بالتأكيد، لأن عبد الناصر كان يمثّل، بالنسبة لي في أمريكا، شخصية متمرّدة على سلطة الغرب. كنت أمقت وأبغض "جون فوستر دلالس"، الذي كان خرّيج جامعة "برنستون"، وكان الإبن المدلّل الذي يفخرون به. ما كان يشدّني إلى عبد الناصر هو أنه يتحدى أمريكا، فتعلقت به. ولكن في أواخر الخمسينات، حين كان صديقي الدكتور فريد حداد يتعرض لمضيقات شرطة عبد الناصر، وحين اكتشفت ممارسات ناصر ليس ضد الشيوعيين فحسب، بل ضد أبناء البرجوازية (من أمثال أسرتي)، بدأت أكرهه بسرعة. وبالطبع، في عام 1967، فقدت أي أمل معه. وإنني أتذكر جيداًً أنه حين توفى في عام 1970، دُعيت من قبل العديد من الجامعات والمنظمات العربية للتحدث في مناسبات تأبينه، فلم أستطع. لقد وجدته شخصية مأساوية ولكنها حافلة بالمثالب، بحيث فشلت في مصالحة ذاتي مع ما آل إليه. ولهذا فقد كنت ناصرياً، ولكن في طور قصير للغاية.





س. : أواخر الخمسينات ومعظم الستينات شهدت بما يُعرف بـ "تحرير" العلوم الاجتماعية، لا سيما مع أنثروبولوجيا ليفي- ستروس. هل كان لهذه الاتجاهات وما يشبهها تأثير مبكّر عليك ؟


ج. : بالطبع، لقد كانت دراستي في أمريكا، كطالب جامعي في برنستون ثم مرحلة تحضير الدكتوراه في هارفارد، تقليدية للغاية. لقد تلقيت تعليماً ممتازاً، وأقصد أنني درست الآداب الانكليزية والفرنسية والايطالية، وآداب الاغريق والرومان، وبعض المسرح، والكثير من الفلسفة، والكثير من الموسيقى. لكن الأمر تمّ بطريقة تقليدية للغاية، وغير نظرية على نطاق واسع. لم أتلق أي درس في النظرية لأن هذه الدروس لم تكن تُعطى، ببساطة.

في هارفارد كنت أحضّر للدكتوراه في الأدب المقارن، وتوجّب أن أقرأ كل شيء. ولم يكن ثمة تركيز على المنهجية، بل على قراءة مادة واسعة. وهما كانت طبيعة المنهجية التي اكتسبتها، أذكر أنني قرأت وأنا طالب في هارفارد كتاب جورج لوكاش "التاريخ والوعي الطبقي" بترجمة كوستاس أكسيلوس إلى الفرنسية. وفي العام ذاته، 1958 أو 1959، قرأت ترجمة "ستانلي ميتشل" الانكليزية لكتاب لوكاش "الرواية التاريخية"، لوحدي في الحالتين. وبالطبع كنت، في تلك الفترة، قد اكتشفت "فيكو".

ولقد بتّ نهماً إلى نصوص النظرية، التي يمكن أن تخرجني، واعتماداً على نفسي أيضاً، من الدرب الشكلاني أو اللاتاريخي أو اللانظري الذي كنت أسير فيه. كنت أحضّر للامتحانات وأكتب أطروحتي عن "كونراد"، ولكنني لم أتوقف عن البحث عن النظرية. وفي عام 1959 أو 1960 وعلى سبيل المثال، اكتشفت "[مارتن] هايدغر" و"[موريس] ميرلو-بونتي"، لوحدي من جديد.

ثم أنهيت الدكتوراه وغادرت هارفارد في 1963 وجئت إلى [جامعة] كولومبيا، وبدأت على الفور أتحسس بعض ما يجري هنا في فرنسا. أول المحطات كان "[لوسيان] غولدمان"، الذي قادني إلى "لفي-ستروس"، وهذا بدوره قادني إلى "رولان بارت". وخلال عام 1966 التقيت بهم جميعاً في أمريكا خلال مؤتمر ضخم ضمّ "[جاك] دريدا" و"بارت" و"[جاك] لاكان" و"[تزفيتان] تودوروف" وآخرين. وفي أواسط الستينات كنت قد انخرطت تماماً في أعمالهم، لأنني اكتشفتهم في سياق نوع من "تحرير" الذهن أو التحرر من المناهج الأنغلو- سكسونية الجامدة، غير النظرية، أو الوضعية، أو ما سمّي آنذاك بمقاربة النقد الجديد والتي كانت تحت سيطرة "ت. س. اليوت" الشديدة وتحولت في أمريكا إلى نوع من العقائدية الجامدة اعتبرتها خانقة.

ذلك التأثر، في حالتي، استمرّ نحو عقد من الزمن، بين 1963 ومطلع السبعينات حتى كتاب "ميشيل فوكوً" "الانضباط والعقاب"، ثم بلغ نهايته. لقد أدركت أنني أخذت منهم ما أردت أخذه، لأنني لم أكن ابن مدرسة قط. ولقد اعتدت لقاء "دريدا" في هذه القاعة بالذات* حيث نجلس، وكان يأتي لإلقاء بعض المحاضرات، وكنّا على ودّ تام. ولكن منهجي نهض دائماً على رفض أنظمة الآخرين، وأدركت أن الفرنسيين كانوا يبنون امبراطوريات ويفتشون عن حَوَاريين. لقد عرفتهم جميعاً بصفة شخصية، ولكني أدركت أن دربي مختلف، وأنني أسير في اتجاه آخر. وبالطبع، في أواسط الستينات وعام 1967 تحديداً، بات العالم العربيّ هاما بالنسبة إليّ، ولم يكن لدى هؤلاء ما يضيفونه لي على ذلك المستوى. وهكذا أسقطتهم من حسابي. أضف إلى ذلك أنني لم أكن في يوم من الأيام متأثراً بـ "[لوي] ألتوسير"، رغم أنني قرأته، بل قرأت كل ما كتبه. لكنه لم يحركني وأدركت، في أواخر الستينات، أن اكتشافي لكتابات "[أنطونيو] غرامشي" كان أكثر أهمية عندي، فضلا عن استمرار اهتمامي بأعمال "لوكاش" الأولى مثل "نظرية الرواية" و"الروح والأشكال" ومقالاته المبكرة عن المسرح. وأعتقد أن "لوكاش" شخصية فذّّة كبيرة.




س. : وماذا عن "ميشيل فوكو" ؟


ج. : لقد أثار "فوكو" اهتمامي، وكنت بين أوائل من قرأوا وكتبوا عن "غولدمان" ز"ليفي-ستروس" و"سميرلو- بونتي" و"فوكو" في أمريكا. ولكنهم أثاروا اهتمامي حتى نقطة محددة فقط، لأنهم في نهاية الأمر لم يخاطبوا تجربتي. لقد مثّلوا وجهة نظر فرنسية وجدتها هامة ومخلصة، وثمة ما يتوجب أخذه منها. لكنها لم تكن تأثيراً من النوع الملازم. ولقد فقدت الاهتمام بالفرنسيين ، الذين مالوا إلى النزعة الإقليمية شيئاً فشيئاً.


س. : في مطلع مسارك الفكري كنت واحداً من قلّة من النقاد أبناء جيلك في أمريكا، ممن قدّموا، وشدّدوا على، الفلسفة الأوروبية، ودراسات النُظُم المختلطة، والفينومينولوجيا، والبنيوية، وسواها. ولكنك كنت قاسياً على "دريدا" بصفة محددة. لماذا، وهل تغيّر موقفك بعض الشيء ؟


ج؟ : حسناً، في هذه المسألة كان باعثي على الدوام أمر قد يكون مرتبطاً بواقعة ما، ولكنه يعني الكثير بالنسبة لي :

أولا " أعتقد ان "دريدا" رجل لامع تماماً. لقد أحببته، وقامت بيننا صلاتٍ شخصية وطيدة. ولكني مع ذلك شعرت بتلك الحالة الطفيفة من انعدام التوازن بين منهج التفكيك ذي الطابع التشكيكي وربما الفوضوي العالي من جهة، وبين اجتهادات التفكيك المنهجية من جهة ثانية. ولقد بدأ لي، على نحو محتوم ربما، أن ما يلوح كنزعة تشكيك تأملية ونيتشوية هو حالة يسهل تَطويعها لملائمة مختلف المؤسسات : حقيقة أن دريدا أصبح "دريدائياً"، وأن مدرسة كاملة في أمريكا تُعرف اليوم باسم "الدريدائيين". وبالمناسبة، أخبرني دريدا نفسه أن شهرته في أمريكا تختلف عن شهرته في فرنسا حيث لا يبدون به اهتماماً واسعاً. ولقد بدا لي أن حالة المؤسسة هذه أخذت تفقده حريته في الإستكشاف الدائم.




ثانياً " لقد شعرت، وأذكر أنني ناقشت هذه المسألة مع "[نوام] شومسكي"، أن أعمال "دريدا" تنطوي على الكثير مما يثير البلبلة وإطلاق العنان للأهواء بدل المحاولة الجادّة للانخراط سياسياً في بعض قضايا الساعة الكبرى مثل فييتنام أو فلسطين أو الإمبريالية. لقد شعرت على الدوام بوجود نوع من المراوغة، فأقلقني ذلك. وحين كنت ألتقي به، كنّا نتبادل حوارات مفيدة. لقد زارني في بيتي، ودعوته لإلقاء محاضرات في كولومبيا في أواخر السبعينات. وحين جئت إلى باريس لبعض المحاضرات في السوربون، دعاني وعرّفني على زوجته. على المستوى الشخصي كانت الأمور على ما يرام. ولكنّي شعرت أنه بدأ يطوّر حسّ الدفاع عن منطقة وعقيدة جامدة. وكنت أقول في نفسي : ما معنى ذلك ؟ أضف إلى أنني ازددت انغماساً في السياسة، وخيّل إلىّ أنه يزداد ابتعاداً عن السياسة.

ثم هنالك الكثير من نفاذ الصبر. لقد بدت لي نصوصه أكثر عدداً مما ينبغي، وكانت تدور في نطاق أكثر إفراطاً من أن يكون مفيدا. وأذكر ذات مرّة أن اثنين من طلابي، وكانا من جنوب إفريقيا، كتبا نقداً لقطعة من دريدا حول "التمييز العنصري". وتناهى إليّ فيما بعد (أما هو فلم يخبرني) انه اعتقد أنني أحرضهما على الكتابة ضده. وهكذا أخذت البارانويا تقلقني. إنه أكبر منّي سنّاً، ولكني لم أنظر إلى نفسي كمؤسسة أبداً. أنا لا أعبأ بما يقول الناس عنّي، وهم يذكرونني بقدر من السوء لم يسبق أبداً أن تعرّض له هو. أعتقد أنه منمّق على نحو مفرط. لقد أحببته، وأنا معجب به، وهو رجل لامع، إلى آخره. ولكني، ربما، أجد فكرة "التعقيد" عنده أكثر تعقيداً مما يتوجب أن تكون عليه.



س.: أما زلت تعتقد أنه كاتب مقالات أكثر منه فيلسوفاً ؟


ج. : دونما ريب، ولكني أقصد المديح هنا. "نيتشه" كان كاتب مقالات، والأمر يعتمد على ما يقصده المرء من كلمة "فيلسوف". لنقل أن تعريفي للفيلسوف يتضمن شخصاً مثل "هيغل"، الذي لا أحبه ولم يسبق لي أني شعرت بالارتياح مع التراث الهيغلي. "غرامشي" كان كاتب مقالات، وكذلك "[تيودور] أدورنو". وهكذا فإنني أفضّل كاتب المقالات، وأنظر إلى نفسي ككاتب مقالات. ولكن ما يقلقني في "دريدا" هو طابع علاقته بعصره، الأمر الذي كان إشكالياً للغاية في نظري.


س. : كتابك الأول "جوزيف كونراد وروية السيرة الذاتية"، الذي صدر عام 1966 وكان في صيغته الأصلية أطروحتك للدكتوراه في هارفارد، كان أول دراسة تتناول العلاقة بين مراسلات "كونراد" الخاصة وروياته القصيرة. وأنت في الكتاب تركز على نقاط ستصبح موضوعات أساسية في نقدك اللاحق للرواية : الهوية، الذات، فينومينولوجيا الوجود، التوترات الديناميكية بين الأمم والكيانات الفردية، النزعة الأوروبية، "الأدبي" في امتداده في المجتمع والتاريخ، إلى آخره. هل كان الكتاب خطوة أساسية نحو نظام منهجي في القراءة الطباقية ؟


ج. : هذا الكتاب، وكتاب "البدايات : القصد والمنهج"، كانا هامين بمعنى تجريب الصواب والخطأ. لقد كنت بطريقة ما أحاول العثور على أرض مشتركة بين المشكلات الأعمق في التجربة المعاشة، وهي في حالة "كونراد" مشكلة الهوية، أو بالأحرى غياب الهوية أو انخلاع الهوية المنكسرة، ومشكلة اللغة، والاستمرار. ولقد ركّزت على الروايات القصيرة لأنني أحسست أنها الموقع الذي تبدّى فيه حرص "كونراد" على تطوير الروايات القصيرة إلى روايات طويلة، أو على الذهاب من الشكل القصير إلى الشكل الكبير، الأمر الذي كان مشكلة على الدوام.



وهكذا تناولت جميع هذه الجوانب الإشكالية عند "كونراد"، وحاولت وضعها في سياق موضوعي نسبياً عند القارئ : حياة "كونراد"، مساره، نجاحه، فشله، ناشروه، أصدقاؤه، الإبحار، بولونيا… وبدأت أطوّر منهجاً لتناول المسألتين معاً، على نحو طباقي. وأعتقد أنني نجحت، بطريقة متواضعة. ولكني هنا اعتمدت كثيراً على الفلسفة الوجودية، وفينومينولوجيا "ميرلو – بونتي" ، وعلى "هايدغر" كما ذكرت.في" البدايات" كنت، كما هو واضح، أحاول تكوين سبيل جديد لنفسي، واعتقدت أن التشديد الرئيسيّ يقع على "فيكو" لأنه كان أول من أوضح أن البدايات لا تُكْتَشف، بل تُصنَع وتُخلَق وتُصاغ. أقصد القول أنني، وأنا في مطلع الثلاثينات من عمري، كنت قد أكملت الأشياء التقليدية، ووضعت كتاباً وبعض المقالات، والمطلوب الآن أن يكون لي اسم بطريقة ما. ولقد استغرق ذلك زمناً طويلاً. بدأ في عام 1966، وانقطع بفعل الحرب، ثم أحسست أن الضرورة تقتضي الاهتمام بمنهج ما في خلق أي مشروع. اختيار المنهج كان شكلاً من أشكال البداية، لكن المركزي فيه بالطبع كان مشكلة القصّ أو النص السردي. من أين يبدأ المرء ؟ إلى أين يذهب المرء ؟ القصّ السردي لا بصفته مسألة معطاة. بل كشكل من التحرّش، وكيف يُقحمُ على إحساس المرء بنفسه ، إلى ما هنالك. ثم جاء بعد ذلك سؤال برّمته حول نقط مطابق لتلك الفكرة، وتكثّف الأمر منذ اهتمامي بالبنيوية و "ميشيل فوكو"، ومدى ملاءمتها. لقد اعتبرت أن الكتابين تجريبيان أسفرا عن نتائج غنيّة للغاية. وحدث أنهما تضافرا تماماً مع حرب 1967 وعودتي إلى العالم العربي. لقد ذهبت إلى عمّان في عام 1969، وكنت فيها عام 1970 خلال أحداث أيلول الأسود، ثم بدأت أنخرط في الحركة الفلسطينية، وفي العام ذاته تزوجت من امرأة لبنانية، هي مريم، وحلال سنتي 1972-1973 أنهيت "البدايات" في بيروت حيث قضيت السنة الأكاديمية متفرغاً. وهناك بدأت أدرس اللغة العربية، إذ لم يسبق لي أن قمت بذلك على نحو جدّي في المدرسة، وكنت قد انصرفت عن دراسة العربية منذ سن الخامسة عشرة. تلقيت دروساً يومية على يد أنيس فريحة، وقرأت معه العديد من النصوص الحديثة والكلاسيكية : طه حسين، توفيق الحكيم، نجيب محفوظ. ثم كنا نعود إلى التراث، لنقرأ الغزالي وابن خلدون، وكانا بين اكتشافاتي الفكرية الكبرى في تلك الفترة، فضلاً عن العديد من النصوص التاريخية والشعرية. ذلك، كما أعتقد، قادني إلى مسألة الاستشراق. ولقد خطرت لي الفكرة حين عدت إلى هارفارد كأستاذ زائر في عام 1974. تلك كانت فترة حرب 1973، وبدأت أرى كيف يمكن ربط الأحداث المسرودة بالتمثيلات الشعبية، وكانت الأحداث المسرودة هي الشيء الرئيسي، وبعدها تأتي مشكلة التمثيل كمسألة تالية. وهكذا بدأت الاهتمام بما سيتحوّل فيما بعد إلى كتاب "الاستشراق".




س. : قبل مناقشة كتاب "الاستشراق" توجد نقطة ذات صلة به. في معظم الكتابات التي تدور حول الإسلام أو الشرق عموماً، ينصب التركيز على ما يمكن وصفه بمراكز العمران، وعلى المراجع والنصوص. أما المجتمع والحياة اليومية والتراث الشفهي والثقافة الشفهية فهي شبه غائبة. كيف تفسّر هذه الظاهرة ؟


ج. : في مطلع الثمانينات فقد اكتشفت مدرسة من المؤرخين الهنود تدعى "دراسات التابع"، يرتكز عملها بأسره على المص&#x